الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
10
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
باختلاف الأحوال كالقدرة والعجز والصحة والمرض والحضر والسفر وغيرها من الأمور الطارية على المكلف قلت فرق بين الأمرين فإن مطلوب الشارع في المقام حقيقة هو الأول وإنما تعلق التكليف بالأخيرة في الظاهر نظر إلى اشتباه المكلف وتحقيقه أن الحسن والقبح الحاصل من جهة نفس الفعل إما بملاحظة ذاته أو سائر اعتباراته ولو بانضمام تعلق الأمر أو النهي به هو الحكم الواقعي وأما الحسن والقبح الطاري عليه أو على تركه من جهة اشتباه المكلف أو غفلته عما هو عليه أو عدم إمكان وصوله إليه من غير أن يكون نفس الفعل أو الترك أو بعض اعتباراتهما بعث عليه فهو الظاهري المفارق للواقعي وبين الأمرين بون بعيد إذ الحكم بالامتثال في الأخير إنما يكون مع بقاء الغفلة والجهل وأما بعد ظهور الحال فلا امتثال لما هو مطلوب الأمر فكل من التكليف الظاهري المفروض والحكم بحصول الامتثال لو أتي بالفعل إنما يستمر باستمرار الجهل وأما بعد انكشاف الخلاف فيرجع الأمر إلى التكليف الأول فإن كان الوقت باقيا وجب الإعادة بمقتضى الأصل لبقاء التكليف ووجوب الامتثال وإن كان فائتا وجب القضاء لو دل دليل على وجوب القضاء لصدق الفوات فإن قلت كيف يصح القول بعدم تحقق الامتثال مع تعلق التكليف بما أتي به من الفعل قطعا فيكون الإتيان به قاضيا بالإجزاء محصلا للطاعة والامتثال بلا شك قلت لا شك في حصول الإطاعة بأداء ما ثبت وجوبه في الشرع وكذا في حصول العصيان بتركه وإن لم يكن مطابقا للواقع لكن نقول إن كلا من الطاعة والمعصية قد يحصل بالإتيان بما هو مطلوب الأمر على جهة الوجوب أو تركه مثلا وقد يحصل بأداء ما يعتقد كونه كذلك من الطريق الذي قرره الشارع أو بتركه كذلك مع انتفاء المطابقة إلا أن هناك فرقا بين الصورتين وذلك أنه كما يكون فعل المأمور به وترك المنهي عنه مطلوبا بالأمر مرادا له كذا الإتيان بما يعتقده طاعة من حيث إنه طاعة وترك المخالفة من حيث إنها كانت مطلوبة لديه لما دل من الدليل القاطع أو المنتهي إليه على الرجوع إلى الطريق المفروض فإذا فرض مطابقة ما أتي به للواقع كان الحسن فيه من جهتين وكذا القبح في صورة المخالفة ومع انتفاء المطابقة فلا حسن ولا قبح إلا من الجهة الأخيرة كما هو الحال في التكاليف الاختيارية فإن الحسن أو القبح فيهما ليس إلا من جهة تعلق الأمر به أو النهي بحسب الظاهر فكما أنه بعد انكشاف الحال يظهر أنه لا وجوب ولا تحريم للفعل في نفسه كذا في المقام وإن حصل الامتثال أو العصيان من جهة الموافقة أو المخالفة المفروضة فإذا انكشف الخلاف تبين عدم الإتيان بما هو مطلوب للأمر فيجب تداركه بالإعادة أو القضاء على فرض ثبوت القضاء فيه وكذا الحال لو كان الاشتباه في الموضوع فالحال في التكاليف الظاهرية للمجتهدين من حيث اشتباهه في الأحكام نظير الحال في التكاليف الاختيارية ومن تأمل في ذلك يتضح حقيقة المرام في المقام وليست التكاليف الاختيارية تكاليف صورية مجازية خالية من حقيقة التكليف كما يظهر من جماعة من الأعلام وسيجيء بيانه في المحل اللائق به فصار المحصّل أن الواجب أو الحرام الواقعي هو ما كان مطلوبا للشارع أو مبغوضا له في نفسه والظاهري هو ما يكون كذلك بحسب اعتقاد المكلف نظرا إلى الطريق الذي قرره المكلف له وأوجب الأخذ به من حيث كونه هي موصلا إلى الواقع فإن تطابقا فقد اجتمع الحكمان وإلا حصل الافتراق من الجانبين فالحكم بوجوب العمل بمؤدى الدليل إنما يكون في الغالب من حيث كونه طريقا موصلا إلى الواقع فإذا انكشف الخلاف تبين عدم حصول الامتثال وأداء التكليف نظرا إلى انتفاء الحيثية المذكورة وعدم حصول ما هو مطلوب الشارع لكن لا يخرج بذلك الفعل الواقع قبل الانكشاف من كونه متعلقا للتكليف مرادا للشارع لوقوعه حال تعلق التكليف به كذلك إلا أنه بعد ظهور الحال يكون التكليف المتعلق به على نحو التكاليف الاختيارية حسبما أشرنا إليه وتفصيل الكلام في هذا المرام مما لا يسعه المقام ولعلنا نفصل القول فيه في مقام آخر إذا تقرر ذلك فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول قد عرفت أن الأحكام الظاهرية مع المخالفة للواقع واقعية أيضا بوجه وإن لم يكن واقعية بمعناه الظاهر والفقه هو العلم بتلك الأحكام وهي أحكام شرعية مستفادة من الأدلة التفصيلية سواء طابقت الحكم الأول أو لا فإن قلت إن العلم بالأحكام الظاهرية إنما يحصل من الدليل الإجمالي دون الأدلة التفصيلية فإن أقصاها إفادة الظن بالحكم قلت إن تلك الأدلة ليست مفيدة لليقين بملاحظة أنفسها وأما بملاحظة الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع القاضي بحجيتها فهي تفيد اليقين قطعا من غير حاجة إلى ملاحظة الدليل الإجمالي المفروض بل ذلك الدليل الإجمالي إجمال لذلك التفصيل فتأمل فإن قلت لا زال الفقهاء يخطئ بعضهم بعضا ويخالف بعضهم آخر ويقيم كل منهم الأدلة على إثبات مطلوبه وتخطئة صاحبه ومن البين أن ما اختلفوا فيه هو المطالب الفقهية والمسائل المبحوث عنها في تلك الصناعة والفقه اسم لتلك المطالب النظرية المتداولة بينهم وظاهر أيضا أنه ليس الاختلاف الواقع بينهم بالنسبة إلى الحكم الظاهري ضرورة اتفاق الكل على تعدده بحسب تعد آراء المجتهدين واختلافه بحسب اختلاف ظنونهم للإجماع على وجوب أخذ كل منهم بظنه وعدم جواز أخذه بقول غيره وإن اعتقد كل منهم بتخطئة صاحبه فليس اختلافهم إلا بالنسبة إلى الحكم الواقعي الثابت في نفسه مع قطع النظر من ثبوته في حقه بخصوصه أو حق مقلده فلا يكون الأحكام الفقهية إلا بالنظر إلى الواقع فكيف يحمل الأحكام على الظاهرية قلت كون المبحوث عنه هو الأحكام الواقعية لا ينافي أن يكون الفقه هو الأحكام الظاهرية فالأحكام الفقهية الحاصلة للمجتهدين من حيث وجوب الأخذ بها والحكم بمقتضاها تكون فقها وهي بهذه الحيثية تكون معلومة للفقيه مقطوعا بها عنده ومن حيث مطابقته للواقع أو لمقتضى الدلالة الشرعية يكون ظنيته في الغالب موردا للاختلاف وبهذه الحيثية تكون متعلقة للاجتهاد فوقوع الخلاف في المسائل الفقهية وكون المنظور حين الاستدلال هو الوصول إلى الواقع أو إصابة ما هو مقتضى الأدلة الموجودة لا يقضي بكون الملحوظ في صدق الفقه هو الأحكام الواقعية بل لما كان ثبوت الحكم بالظاهر منوطا بالظن موافقته للواقع أو لمقتضى الأدلة الشرعية أو القطع بها مع إمكانه كان الملحوظ هناك حال الواقع أو مؤدى الدليل فوقوع الاختلاف فيها من تلك الجهة وإن كانت من حيث وجوب الأخذ بها وثبوتها على المكلف بحسب الشرع فقها وكانت معلومة للفقيه فالجهة الأولى حيثية الاجتهاد والثانية حيثية الفقاهة والجهة الأولى مقدمة على الثانية ويؤيد ما ذكرناه أن الفقه في ظاهر كلماتهم اسم للعلم بالأحكام الشرعية عن الأدلة أو للأحكام المستنبطة عن الأدلة من حيث كونها كذلك وإن قلنا بكون سائر أسامي العلوم موضوعة لنفس المسائل ولذا أخرجوا علوم الملائكة والأنبياء والأئمة عن الفقه نظرا إلى ما مر مع وضوح علمهم بالأحكام الشرعية على أتم وجه فيكون من جهة تعلق العلم بها على الوجه المذكور معتبرة في صدق الفقه وهي حيثية الفقاهة حسبما قررنا وأيضا ما حصل عند المجتهدين من الأدلة التفصيلية فقه عندهم مع اختلافهم في إصابة الواقع وعدمه والقطع بعدم إصابة بعضهم سواء جعلنا الفقه اسما لنفس العلوم المفروضة أو للمعلومات من حيث تعلق العلم المفروض بها فيكون ذلك شاهدا على اختلاف حيثية الفقاهة للحيثية التي يقع الخلاف من جهتها في المسائل الفقهية وقد أجاب بعض الأفاضل عن الإشكال المتقدم بوجهين